عبد الملك الجويني

14

نهاية المطلب في دراية المذهب

وما ذكرناه في الملح المنعقد من الماء ، فأما الملح المنتقَر ( 1 ) المحتفر من الجبال ، الذي لم يُعهد منعقداً من الماء ، فإذا ظهر تغيّر الماءِ به ، قطعنا بزوال طهوريته ، ولم ندرجه في الخلاف أصلاً ، ومن ظنّ فيه خلافاً ، فهو غالط . فرع : 13 - إذا وقع في الماء كافورٌ صلبٌ ، وغيّر رائحة الماء ، فقد ذكرنا أن الماء طهورٌ عند الأئمة ، والمجاورة لا أثر لها ، فلو كان كافوراً رَخواً ( 2 ) ، فذاب في الماء ، وخالطه ، وظهرت رائحتُه ، والكافور قليل ، وسبب تغيّر الماء ظهورُ الرائحة الفائحة الغالبة ، فمن لم يكتف من أئمتنا بأدنى تغيّرٍ ، واتبع الاسم ، حكم بأن هذا الماء طهور . ومن صار إلى أن التغيّر اليسير بالزعفران يسلب تطهير الماء ، فقد اختلفوا في الصورة التي ذكرناها ، فذهب بعضهم إلى أنه لا يجوز التوضؤ به ؛ فإنّه متغيّر والكافور مخالط في محل التصوير . وذهب الأكثرون إلى جواز التوضؤ به ، فإن الكافورَ وإن كان مخالطاً ، فليست المخالطة سببَ التغيّر ، وإنما سببُ التغيّر قوة ريح الكافور ، فالماء في معنى ما يتغيّر بمجاورة الكافور . فرع : 14 - إذا جرت رياح في الربيع ( 3 ) ، ونثرت الأوراقَ الرطبة ، وتغيّرت المياه بها ، فمن اتبع المخالطة والمجاورة ، منع التوضؤ به إذا تغيّرت المياه بمخالطة الأوراق إياها . ومن اعتبر في أصل الباب التعذّر والتيسُّر في الاحتراز ، اختلفوا في هذه الصورة ؛ وسبب الاختلاف أن ما تعلق بالأعذار ، فكل عذر يعمّ وقوعُه أثّر ، وكل

--> ( 1 ) المنتقر : من انتقر الشيء : احتفره . ( المعجم ) فالمحتفر هنا عطف بيان للمنتقر . ( 2 ) رخواً بفتح الراء وكسرها ، أي هشّاً . ( المختار ) . ( 3 ) ذِكْرُ ( الربيع ) هنا له معنى مقصود ؛ إِذ تختلف أوراق الربيع عن أوراق الخريف ، بما فيها من ( رطوبات ) تجعل عصيرها مخالطاً للماء ، بعكس أوراق الخريف الجافة ، التي لا تخرج عن كونها ( مجاورة ) .